قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً ﴾ [ البقرة:143] .
الوَسَط اسمٌ لما بيْن طَرَفَي الشيء
فالوَسَطُ الخِيَّار، فوَسَطُ الوادِي خَيْرُ مكانِ فيه، ويُقَالُ فُلانُ وسَطٌ في قوْمِه، إذا كان أوْسَطَهم نسَباً وأرْفَعهم مَجْداً، وقد جاء فى صِفَةِ نبِّينا - صلى الله عليه وسلم- أَنَّه كان من أوْسَطِ قَوْمِه أيْ خِيارهم، وقد جعلَ اللهُ أُمَّته وسَطاً أي خِياراً.
والمقصود بالتوسُّط أَنْ يتحرَّى المُسْلِمُ الاعتدالَ ويبْتَعِدَ عن التطرُّف في الأقْوالِ والأفْعال بحيثُ لا يَغْلُو ولا يقصِّر، ولا يُفرْط ولا يُفرِّط.
فإِنَّ الإفْرَاطَ والتَّفريطَ مذمُومانِ وقد نهىَ اللهُ عنهما وذمَّ أهلَهما، فقال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْ ﴾[ هـود:112] .
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ( هَاتِ الْقُطْ لِي ) فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: ( أَمْثَالِ هَؤُلاَءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ).
وقال تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [ الأنعام:31] .
فمتى ابتعدَ الإنسانُ عن الإفْراطِ والتَّفريط فقد اعتدلَ على أوْسَطَ الطريق واستقامَ على الصِراطِ المستقيم كما أمر الله ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [ الأنعام:153] .
وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ [ المائدة87،88 ]
إن التعصب الفكري هو من الانحراف في فهم الدين والانغلاق وضيق الأفق وأنه سبب رئيس للتفكك الذي تعيشه أمتناً كونه يتنافى مع الوسطية وروحها .
و السبب في بروز الغلو يرجع إلى تضخم الذات وتقديس البشر والجهل والتخلف المعرفي والتنشئة الاجتماعية الخاطئة وغياب أخلاقيات التعامل مع الآخر والبعد عن أهل العلم وغياب المرجعية الشرعية في قضايا الواقع المعاصر .
تأمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر " . هذا التوازن بين الدين و الدنيا و الآخرة..
الأصل في الإسلام أن كل شيء مباح......و ان التحريم هو الإستثناء .
يقول الشيخ يوسف القرضاوي في كتابة " الحلال و الحرام " :
.
وقد رأيت معظم الباحثين العصريين في الإسلام والمتحدثين عنه يكادون ينقسمون إلى فريقين:
فريق خطف أبصارهم بريق المدنية الغربية، وراعهم هذا الصنم الكبير، فتعبدوا له، وقدموا إليه القرابين ووقفوا أمامه خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، هؤلاء الذين اتخذوا مبادىء الغرب وتقاليده قضية مسلمة لا تعارض ولا تناقش، فإن وافقها الإسلام في شيء هللوا وكبروا، وإن عارضها في شيء وقفوا يحاولون التوفيق والتقريب، أو الاعتذار والتبرير، أو التأويل والتحريف، كأن الإسلام مفروض عليه أن يخضع لمدنية الغرب وفلسفته وتقاليده. ذلك ما نلمسه في حديثهم عما حرم الإسلام من مثل: التماثيل واليانصيب والفوائد الربوية والخلوة بالأجنبية، وتمرد المرأة على أنوثتها، وتحلي الرجل بالذهب والحرير … (الخ) ما نعرف. وفي حديثهم عما أحل الإسلام من مثل: الطلاق وعدد الزوجات.. كأن الحلال في نظرهم ما أحله الغرب والحرام ما حرمه الغرب. ونسوا أن الإسلام كلمة الله، وكلمة الله هي العليا دائما، فهو يتبع ولا يتبع، ويعلو ولا يعلى، وكيف يتبع الرب العبد، أم كيف يخضع الخالق لأهواء المخلوقين؟ (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن) المؤمنون:71. (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل الله يهدي للحق. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى؟ فما لكم كيف تحكمون) يونس:35.
هذا فريق. والفريق الثاني جمد على آراء معينة في مسائل الحلال والحرام. تبعا لنص أو عبارة في كتاب، وظن ذلك هو الإسلام، فلم يتزحزح عن رأيه قيد شعرة، ولم يحاول أن يمتحن أدلة مذهبه أو رأيه، ويوزنها بأدلة الآخرين ويستخلص الحق بعد الموازنة والتمحيص.
فإذا سئل عن حكم الموسيقى أو الغناء أو الشطرنج أو تعليم المرأة أو إبداء وجهها وكفيها أو نحو ذلك من المسائل، كان أقرب شيء إلى لسانه أو قلمه كلمة (حرام) ونسي هذا الفريق أدب السلف الصالح في هذا، حيث لم يكونوا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه قطعا. وما عدا ذلك قالوا: فيه نكره، أو لا نحب، أو نحو هذه العبارات.
وقد حاولت ألا أكون واحدا من الفريقين.
فلم أرض لديني أن أتخذ الغرب معبودا لي، بعد أن رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا.
ولم أرض لعقلي أن أقلد مذهبا معينا في كل القضايا والمسائل أخطأ أو أصاب، فإن المقلد -كما قال ابن الجوزي- (على غير ثقة فيما قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل، لأنه خلق للتأمل والتدبر. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة).
أجل، لم أحاول أن أقيد نفسي بمذهب فقهي من المذاهب السائدة في العالم الإسلامي ذلك أن الحق لا يشتمل عليه مذهب واحد. وأئمة هذه المذاهب المتبوعة لم يدعوا لأنفسهم العصمة، وإنما هم مجتهدون في تعرف الحق، فإن أخطؤوا فلهم أجر، وأن أصابوا فلهم أجران.
قال الإمام مالك: (كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم). وقال الإمام الشافعي: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).
وغير لائق بعالم مسلم يملك وسائل الموازنة والترجيح أن يكون أسير مذهب واحد، أو خاضعا لرأي فقيه معين. بل الواجب أن يكون أسير الحجة والدليل. فما صح دليله وقويت حجته، فهو أولى بالإتباع. وما ضعف سنده، ووهت حجته، فهو مرفوض مهما يكن من قال به، وقديما قال الإمام علي رضي الله عنه: (لا تعرف الحق بالرجال، بل أعرف الحق تعرف أهله).
وقد حاولت أن أراعي ما طلبته إدارة الثقافة قدر ما استطعت، فعنيت بالتدليل والتعليل والموازنة، مستعينا بأحدث الأفكار العلمية والمعارف العصرية. وقد كان جانب الإسلام والحمد لله مشرقا وضاء يحمل الدليل الناصع، على أنه دين الإنسانية العام الخالد (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) البقرة:138.
والحلال والحرام معروف في كل أمة من قديم، وإن اختلفوا في مقدار المحرمات وفي نوعها، وفي أسبابها، وكان الكثير منها مرتبطا بالمعتقدات والخرافات والأساطير.
ثم جاءت الأديان السماوية الكبرى بتشريعات ووصايا عن الحلال والحرام ارتفعت بالإنسان من مستوى الخرافات والأساطير والحياة القبلية إلى مستوى إنساني كريم، ولكنها كانت في بعض ما أحلت وحرمت مناسبة لعصرها وبيئتها، متطورة بتطور الإنسان، وتغير الأحوال والأزمان. فكان في اليهودية مثلا محرمات مؤقتة عاقب الله بها بني إسرائيل على بغيهم، فلم تكن تشريعا قصد به الخلود ولهذا ذكر القرآن قول المسيح لبني إسرائيل: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم). آل عمران:50.
فلما جاء الإسلام كانت البشرية قد بلغت أشدها، وصلحت لأن ينزل الله عليها رسالته الأخيرة، فختم تشريعه للبشر بشريعة الإسلام الخالدة. وفي هذا نقرأ قوله سبحانه بعد أن ذكر ما حرم من الأطعمة في سورة المائدة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) المائدة:3.
وفكرة الإسلام في الحلال والحرام فكرة بسيطة واضحة. إنها جزء من الأمانة الكبيرة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. أمانة التكاليف الإلهية واحتمال مسؤولية الخلافة في الأرض، تلك المسؤولية التي على أساسها يثاب الإنسان ويعاقب، ومن أجلها منح العقل والإرادة وبعثت له الرسل، وأنزلت الكتب، فليس له أن يسأل: لم كان الحلال والحرام؟ ولم أترك طليق العنان؟ فهذا من تتمة الابتلاء الذي خص به المكلفون وتميز به هذا النوع من مخلوقات الله الذي ليس روحا خالصة كالملك، ولا شهوة خالصة كالبهيمة، وإنما هو شيء وسط، يستطيع أن يرتقي فيكون كالملائكة، أو خيرا وأفضل، وأن يهبط فيكون كالأنعام أو أضل سبيلا.
ومن جهة أخرى فإن الحلال والحرام يدور في فلك التشريع الإسلامي العام وهو تشريع قائم على أساس تحقيق الخير للبشر، ودفع الحرج والعنت عنهم، وإرادة اليسر بهم. يقوم على درء المفسدة وجلب المصلحة، مصلحة الإنسان كله، جسمه وروحه وعقله، ومصلحة الجماعة كلها، أغنياء وفقراء وحكاما ومحكومين، ورجالا ونساء، ومصلحة النوع الإنساني كله، بمختلف أجناسه وألوانه، وفي شتى أقطاره وبلدانه، وفي كل عصوره وأجياله.
فقد جاء هذا الدين رحمة إلهية شاملة لعباد الله في آخر طور من أطوار الإنسانية. وأعلن ذلك لرسوله فقال:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء 107. وقال رسوله: (إنما أنا رحمة مهداة)
وكان من آثار هذه الرحمة أن وضع الله عن هذه الأمة الخاتمة كل آصار التعنت والتشديد، وأوزار الإباحية والتحلل، التي أدخلها الوثنيون والكتابيون على الحياة، فحرموا الطيبات وأحلوا الخبائث قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) الأعراف:156.
وكان دستور الإسلام في الحلال والحرام يتمثل في هاتين الآيتين اللتين صدرنا بهما هذا الكتاب (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الأعراف:32. (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) الأعراف:33.
وبعد فأعتقد أن أهمية موضوع الحلال والحرام تجعل هذا الكتاب على صغره يسد فراغا في مكتبة المسلم الحديثة ويحل مشكلات كثيرة تعرض المسلم في حياته الشخصية والأسرية والعامة ويجيب على أسئلته الكثيرة: ماذا يحل لي؟ وماذا يحرم علي؟ وما حكمة تحريم هذا، وإباحة ذاك؟
ولا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أشكر لمشيخة الأزهر وإدارة الثقافة الإسلامية ما أولياني من ثقة باختياري للكتابة في هذا الموضوع البكر.
وأرجو أن أكون بما كتبت قد أديت ضريبة الثقة، وحققت الغرض المنشود.
والله تعالى أسأل أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يرزقنا السداد في القول والعمل، ويجنبنا شطط الفكر والقلم، وأن يهيء لنا من أمرنا رشدا، إنه سميع الدعاء.
كما يعرف الحلال و الحرام و المكروه علي النحو التالي :
الحلال: هو المباح الذي انحلت عنده عقدة الحظر، وأذن الشارع في فعله.
الحرام: هو الأمر الذي نهى الشارع عن فعله نهيا جازما، بحيث يتعرض من خالف النهي لعقوبة الله في الآخرة، وقد يتعرض لعقوبة شرعية في الدنيا أيضا.
المكروه: إذا نهى الشارع عن شيء ولكنه لم يشدد في النهي عنه فهذا الشيء يسمى (المكروه) وهو أقل من الحرام في رتبته وليس على مرتكبه عقوبة كعقوبة الحرام، غير أن التمادي فيه، والاستهتار به من شأنه أن يجرىء صاحبه على الحرام
الرابط هنا : http://www.qaradawi.net/xml/topics/article.xml?cu_no=2&item_no=15&version=1&template_id=5&parent_id=12
نحن كأمة مسلمة أُمرنا ان نكون وسطاً فلا إفراط و لا تفريط....و التشدد ...و المغالاة ليس من الإسلام....و الدعوة الي الله تكون بالقدوة الحسنة
بالسلوك القويم و الاستقامة ... ..
تحياتي و تقديري و دمتم بألف خير .